الشيخ محمد النهاوندي

609

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

نزلت ( ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) ولا تكون الذّرّيّة من القوم إلّا نسلهم من أصلابهم » « 1 » . والظاهر أنّ السائل احتمل أن يكون المراد بالآل جميع المؤمنين ، كما عليه بعض المفسرين من العامّة ، مستشهدين له بقوله تعالى : أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ « 2 » . وَاللَّهُ سَمِيعٌ لأقوال النّاس عَلِيمٌ بضمائرهم وأخلاقهم ، وملكاتهم وأعمالهم ، فيختار منهم من هو أحسن قولا ، وأصلح عملا ، وأزكى قلبا ، وأخلص نيّة ، وأقوى بصيرة ، كما قال تعالى : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ « 3 » . في أن الأنبياء مخالفون لغيرهم في القوى الروحانية والجسمانية نقل الفخر الرّازي في تفسيره عن الحليمي كلاما يعجبني أن أذكره بطوله ، لاشتماله على ذكر معجزات عديدة للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، وفضيلة فائقة لأمير المؤمنين عليه السّلام . قال الحليمي : إنّ الأنبياء عليهم السّلام لا بدّ أنّ يكونوا مخالفين لغيرهم في القوى الجسمانيّة ، والقوى الرّوحانيّة . أمّا القوى الجسمانيّة ، فهي إمّا مدركة وإمّا محرّكة . أمّا المدركة فهي إمّا الحواسّ الظاهريّة ، وإمّا الحواسّ الباطنيّة . أمّا الحواسّ الظاهريّة ؛ فهي خمسة : أحدها : القوّة الباصرة ، ولقد كان الرّسول صلّى اللّه عليه وآله مخصوصا بكمال هذه الصّفة ، ويدلّ عليه وجهان ؛ الأوّل : قوله صلّى اللّه عليه وآله : « زويت « 4 » لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها » ، والثّاني : قوله صلّى اللّه عليه وآله : « أقيموا صفوفكم وتراصّوا ، فإنّي أراكم من وراء ظهري » . ونظير هذه [ القوة ] ما حصل لإبراهيم ، وهو قوله تعالى : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 5 » ذكروا في تفسيره : أنّه تعالى قوّى بصره حتّى شاهد جميع الملكوت من الأعلى والأسفل . قال الحليمي : إنّ « 6 » البصراء يتفاوتون ، فروي أنّ زرقاء اليمامة كانت تبصر من مسيرة ثلاثة أيّام ، فلا يبعد أن يكون بصر النبيّ أقوى من بصرها . وثانيها : القوّة السامعة ، وكان صلّى اللّه عليه وآله أقوى النّاس في هذه القوّة ، ويدل عليه وجهان ؛ أحدهما : قوله صلّى اللّه عليه وآله : « أطّت « 7 » السّماء وحقّ لها أن تئط ، ما فيها موضع قدم إلّا وفيه ملك ساجد للّه تعالى » فسمع أطيط السّماء والثاني : أنّه سمع دويّا ، وذكر أنّه هوي صخرة قذفت في جهنّم ، فلم تبلغ قعرها إلى

--> ( 1 ) . تفسير العياشي 1 : 301 / 675 ، تفسير الصافي 1 : 306 . ( 2 ) . تفسير الرازي 8 : 22 ، والآية من سورة المؤمن : 40 / 46 . ( 3 ) . الأنعام : 6 / 124 . ( 4 ) . زوى الشيء : قبضه وجمعه . ( 5 ) . الأنعام : 6 / 75 . ( 6 ) . في المصدر : وهذا غير مستبعد لأنّ . ( 7 ) . أطّ الشيء : صوّت .